قال معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي (IFA) إن إعلان إنهاء العمليات العسكرية المصرية قرب باجاك في ولاية أعالي النيل بجنوب السودان في مايو 2026 يحمل دلالات تتجاوز حجم أي منشأة، أو عدد الأفراد المشاركين، أو حتى اللغة الرسمية التي تستخدمها سلطات جنوب السودان.
واعتبر أن ذلك يكشف عن تحول أعمق في النظام الإقليمي: إذ تعتمد تكتيكات مصر في محاصرة إثيوبيا والضغط عليها على الدول المضيفة التي تتأثر حساباتها الاستراتيجية بتغيرات الضغوط الاقتصادية، والمخاطر الأمنية، والتحولات الجيوسياسية.
تصعيد عبر الحدود
وفقًا للتقارير، فإن جنوب السودان تحرك ضد الوجود المصري بعد تزايد المخاوف من أن يصبح ممر جوت-باجاك عرضةً للتصعيد عبر الحدود المرتبط بالحرب السودانية وتصاعد حدة التنافس بين إثيوبيا ومصر.
وأشار المعهد إلى أن التفاصيل لا تزال محل خلاف، ولم تُقدم تفسيرات رسمية كافية، وهو ما يُضفي على الحادثة أهميةً خاصة. ففي القرن الأفريقي، غالبًا ما يُستخدم الصمت كأداةٍ سياسية. قد تتجنب الحكومات الانقطاع العلني بينما تُغير بهدوء الشروط التي تعمل بموجبها الجهات الخارجية داخل أراضيها.
وقال: "تستطيع مصر تعزيز مواقعها حول إثيوبيا، لكن هذه المواقع تبقى متجذرة في الاقتصادات السياسية لدول أخرى. فالصومال وإريتريا والسودان وجيبوتي وجنوب السودان ليست قطعًا ثابتة على رقعة الشطرنج المصرية، بل لكل منها مخاوفها واعتماداتها ومساوماتها مع النخب وحساباتها للبقاء".
وأضاف: "وبمجرد أن تتغير هذه الحسابات، يضعف نظام الحصار. وقد مثّلت باجاك أول ثغرة واضحة، لأن مصالح جنوب السودان بدأت تتباعد عن جدوى استضافة نفوذ مصري قرب حدود إثيوبيا".
التحركات المصرية في محيط إثيوبيا
واستعرض التقرير التطورات التي شهدتها منطقة القرن الإفريقي خلال السنوات الأخيرة في أعقاب الانتهاء من مشروع سد النهضة الإثيوبي، فقد عززت مصر تعاونها الأمني مع الصومال عام 2024، وانضمت إلى إطار بعثة الاتحاد الأفريقي هناك، ثم اتخذت موقفًا أمنيًا أكثر تنسيقًا مع الصومال وإريتريا في وقت لاحق من العام ذاته.
وقُدّمت هذه التحركات بلغة الاستقرار والتعاون العسكري ودعم المؤسسات الأمنية الصومالية. إلا أن أثرها العملي تمثل في زيادة حضور مصر على حدود إثيوبيا الشرقية والشمالية، في وقتٍ كان فيه نزاع النيل قد أدى بالفعل إلى تفاقم التنافس الاستراتيجي، بحسب التقرير.
ويقول التقرير إن باجاك تقع على الجانب الغربي من هذا المخطط الهندسي نفسه، وتكمن أهميتها في موقعها القريب من المثلث الحدودي بين جنوب السودان والسودان وإثيوبيا، وهي منطقة تتقاطع فيها الحرب السودانية، وسياسات حوض النيل، والمخاوف الأمنية الإثيوبية، والبنية التحتية النفطية لجنوب السودان.
وتابع: "ويمكن لبصمة أجنبية صغيرة في مثل هذا الموقع أن تحمل أهمية بالغة، لأنها تقع ضمن أنظمة متداخلة وليست مجرد ملف ثنائي واحد. فهي قادرة على المراقبة، وإرسال الإشارات، وطمأنة أحد الأطراف، وزعزعة استقرار طرف آخر، وتعقيد حسابات الدولة المضيفة نفسها".
وأوضح: "لقد فاقمت الأزمة الاقتصادية التي يمر بها جنوب السودان من صعوبة استيعاب هذا التعقيد"، وأشار إلى أن هذه الهشاشة جعلت إثيوبيا أكثر أهمية لخيارات جنوب السودان المستقبلية. في يوليو 2024، أحرزت إثيوبيا وجنوب السودان تقدمًا في مناقشاتهما حول البنية التحتية التي تربط أعالي النيل عبر محور جامبيلا-باجاك-مايوت-مالاكال-مالوث-بالوش، بما في ذلك إمكانية إنشاء مسار بديل يربط نفط جنوب السودان بجيبوتي عبر الأراضي الإثيوبية. لا يزال هذا المسار طموحًا وصعبًا، لكن أهميته الاستراتيجية باتت واضحة. فهو يمنح جنوب السودان أفقًا يتجاوز الاعتماد الحصري على ممر التصدير السوداني المعرض للحرب.
واستطرد التقرير، قائلاً: "هنا يبرز دور إثيوبيا في مواجهة التحديات. فليست إثيوبيا بحاجة لمواجهة كل موقف مصري عسكريًا، بل بإمكانها تغيير بنية الحوافز المحيطة بها عبر الطرق، ودبلوماسية الطاقة، ومؤسسات حوض النيل، والممرات التجارية، وضمانات الأمن. إذا ما بدأت جنوب السودان تنظر إلى إثيوبيا كجزء من استراتيجيتها للحفاظ على مواردها النفطية، فإن وجودًا مصريًا قرب حدود إثيوبيا سيصبح أقل فائدة وأكثر عبئًا. تتغير حسابات الدولة المضيفة قبل أن يتغير التوازن العسكري".
وعلى ضوء هذا الاستنتاج، يرى النقرير أن طبقة حوض النيل عززت هذا التوجه، فقد رسّخ تصديق جنوب السودان على اتفاقية الإطار التعاوني في يوليو 2024 مكانتها ضمن منظومة الحوكمة في أعالي النهر، وساهم في دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في أكتوبر 2024. ولم يمحُ هذا علاقات جنوب السودان مع مصر، ولم يحسم قضية النيل، بل غيّر الإطار المؤسسي الذي تتفاوض فيه جنوب السودان. فالدولة المشاركة في بنية حوض النيل الناشئة لديها دافع أقل لإخضاع مصالحها المائية والبنية التحتية طويلة الأجل لقواعد مصر القديمة في مصب النهر.
تكتيكات مصر في الحصار والضغط
بالنسبة لإثيوبيا، يرى معهد الشؤون الخارجية أن الدرس لم يكن انتصارًا، "فما زالت تكتيكات مصر في الحصار والضغط فعّالة، وقادرة على التكيف، وقادرة على فرض تكاليف باهظة عبر جبهات متعددة. والدرس الأهم هو الانضباط الاستراتيجي".
وتابع: "يكمن الحل الأمثل لإثيوبيا في جعل مصالح الدول المحيطة تتلاقى مع استقرارها. إن الممرات، وربط شبكات الكهرباء، وبدائل طرق النفط، ودبلوماسية حوض النيل، ومفاوضات الوصول إلى البحر الأحمر، ليست مجرد وسائل مساعدة للأمن، بل هي الأدوات التي تستطيع إثيوبيا من خلالها إعادة تشكيل البيئة التي تُمارس فيها الضغوط العدائية".
وبالنسبة لجنوب السودان، يرى أن تجربة باجاك تُظهر أهمية إعطاء الأولوية للاستقلال الاستراتيجي على المصالح النفعية، "فبقاء الدولة يعتمد على تنويع طرق النفط، وتعزيز خيارات البنية التحتية، وتجنب الانخراط في صراعات لا تنبع من أولوياتها الوطنية. قد يُحقق التواجد الخارجي فوائد دبلوماسية أو عسكرية فورية، ولكنه قد يتحول إلى عبء عندما تُغير الجغرافيا والحرب والتبعية الاقتصادية المعادلة المحيطة".
بالنسبة لمنطقة القرن الأفريقي الأوسع، ينظر التقرير إلى هذه الحادثة على أنها تكشف هشاشة هياكل الضغط المبنية عبر دول ثالثة. قد تستمر مصر في السعي لتعزيز نفوذها حول حدود إثيوبيا، لكن كل عنصر في هيكل الحصار هذا يعتمد على حسابات الدولة المضيفة التي يمكن تعديلها. فالخريطة المحيطة بإثيوبيا ليست ثابتة، بل تتغير باستمرار بفعل خطوط الأنابيب والموانئ وخطوط الكهرباء ومؤسسات النيل والنزاعات المسلحة وسياسات الممرات.
لذا، يصف باجاك بأنها تعد إشارةً وليست غايةً في حد ذاتها، فهي تُظهر أن الموقع الاستراتيجي لإثيوبيا لم يعد محصورًا بالتوترات والمفاوضات حول النيل فحسب، بل يتشكل أيضًا بفعل التنافس الخفي حول أيّ الشراكات تُصبح ضرورية اقتصادياً، وأيّ الممرات تُقلّل من الهشاشة، وأيّ الرؤية الإقليمية تُقدّم للدول المجاورة مساراً أفضل للخروج من الفوضى. وإذا استمر هذا النمط، فلن ينهار نظام الحصار حول إثيوبيا فجأة، بل سيضعف تدريجياً مع تكيف الدول المضيفة مع تغيرات المناخ الجيوسياسي.
https://www.ifa.gov.et/2026/06/11/the-broken-node-the-limits-of-egypts-encirclement-strategy/

